مغارب نيوز جريدة إلكترونية مغربية تجدد على مدار الساعة - المغرب - - magharebnews - est une source centrale d'informations et de nouvelles sur le Maroc.

النظام الجزائري وتقمص دور وكيل استعماري في الفزان..؟

عمر الطيبي

جدد الرئيس الجزائري ،عبد المجيد تبون، مؤخرا ، الدعوة لإجراء حوار بين الليبيين في الجزائر، من أجل إحلال السلام ببلادهم، وجدد التأكيد في هذا الصدد على أن جميع الاطراف والقبائل الليبية تؤيد مبادرته، زاعما ان المبادرة إياها تحظى على الصعيد الدولي بمباركة دول كبرى.

قبل ذلك ،كان تبون قد ادّعى أن القبائل والاطراف الليبية كلها تؤيد مبادرته، وقد سبق لي أن بينت في مقال سابق مجانبته الصواب في ادعاءاته هذه، لكن السيد تبون كرر هذه المرة  مغالاته بالزعم أن دولا كبرى تحبذ تدخّل بلاده في الأزمة الليبية. ويكفي للتدليل على طابع المغالاة في هذا التأكيد، التذكير برفض قوى عظمى تعيين الوزير الجزائري السابق رمطان لعمامرة، مبعوثا أمميا لليبيا، ليتبين أن ما يقصده تبون بـ “الدول المؤيدة” ليس سوى تلك الدول ذات النفوذ والتأثير القوي في توجهات واختيارات الجنرلات الاستراتيجية، وصاحبة المصلحة المشتركة مع نظامهم في التدخل في الشأن الليبي، وهو يعني على وجه الخصوص فرنسا والإمارات وروسيا ،وبطريقة غير مباشرة امريكا.

لا يخفى على المتتبع للشأن الجزائري حجم النفوذ الذي تمارسه الدول المذكورة على التوجهات السياسية والاقتصادية للنظام الجزائري، لذلك ليس من المستغرب أن تقوم هذه الدول بدفعه للانخراط في استراتيجية توسعية نحو ليبيا، باعتبارها مصلحة مشتركة بينه وبين هذه الاطراف من جهة، ومن جهة ثانية، كهدف يتماشى مع حاجته الذاتية للبحث عن بدائل للموارد النفطية والغازية لبلاده التي باتت وثيرة نضوبها المتسارعة تهدد خزائنه بالإفلاس.

هكذا دفعت التطورات الاخيرة على الساحة الليبية بنظام الجنرالات، وواجهته المدنية تبون، لتسريع وتيرة استعداداته للالتحاق بركب المتدخليين مباشرة في الشأن الليبي، خاصة عقب أخذ عقيلة صالح ،رئيس برلمان طبرق، مسافة من حليفه حفتر، واعلانه “مبادرة سلام” تقوم على الخيار القبَلي والتقسيم الإداري للبلاد على أساس الحدود التاريخية لولايات برقة وطرابلس والفزان، علما أن هذه المقترحات هي بالضبط التي اعتمدها السيسي، بعد ادخال تعديلات عليها، لإعلان ما أسماه ب”بيان القاهرة”، بالتزامن مع هزيمة حفتر واستعادة حكومة “الوفاق” لمنطقة غرب البلاد.

لقيت هذه التطورات صداها لدى تبون، خصوصا لجهة تركيز مقترحات الحل على عاملي المكوِّن القبلي والحدود الادارية، ودفعته بالتالي للإسراع في محاولة تحصيل نصيب خاص بالجنرالات من مشروع  تقسيم الارض الليبية الى ثلاثة أجزاء. وهذا بالضبط ما كان قد قصده حينما قال في اجتماع دول الجوار الليبي، المنعقد بالجزائر يوم 23 يناير 2020: “لدينا ثقة الجانبين (رغم أن حكومة الوفاق قاطعت الاجتماع) بالاضافة الى اغلب قبائل الجنوب بصفة عامة، وقبائل مصراتة والزنتان والطوارق، كلهم طلبوا وساطة الجزائر”. انتهى كلامه.

يصدق على هذا التصريح عليه المثل العربي القائل: “يكاد المريب يقول خذوني”،  فقد حدد تبون، بوضوح غير مقصود خريطة تطلُّعه لبسط نفوذ الجنرالات على جزء من الارض الليبية كما على القبائل التي تستوطنها، وحصره بالضبط ضمن حدود اقليم الفزان المحاذي لتراب بلاده، وذلك في ظل امكانية خروج الجنرال حفتر من المشهد السياسي بشكل يناسبهم تماما، ليس بسبب نبذ الجنرالات لمشروعه الانقلابي الفاشي كما قد يظن، فمثل هؤلاء لا يأكلون لحم زميلهم ميتا، وانما لأن حفتر هددهم صيف 2018 بنقل الحرب الى الارض الجزائرية نفسها اذا لم يوقفوا اختراقات جيشهم المتكررة للاراضي الليبية. أما حقيقة ما دفع حفتر للتلويح بهذا التهديد ، ليس اختراقات الجيش الجزائري لارض الجيران، فذلك كان يحدث دائما حتى في عهد القذافي، وانما الذي أزعجه حقا ما اصبح يحدث من وراء هذه الحركة من الجيش، من اختراق مخابراتي جزائري لقبائل الفزان، المعروفة تقليديا بولائها للدكتاتور المقبور، مثل القذاذفة والمقارحة والطوارق الليبيين، وبالتالي منافسته على ولائها، خاصة بعدما عقد عبد القادر مساهل وزير الخارجية أيامها سلسلة اجتماعات مع ممثلي نحو 30 من عشائر الفزان لاستقطاب تبعيتها لنظام الجنرالات.

من الترتيبات التي اتخذها نظام الجنرالات في هذا السياق كذلك، اعادة هيكلة جهاز المخابرات الخارجية بما يتناسب مع متطلبات الوضع الليبي، حتى أنهم اعادوا ،في منتصف شهر ابريل الماضي، الجنرال محمد بوزيت، المعروف بخبرته الكبيرة في الملفين المالي والليبي، الى منصبه كمدير عام لمديرية الوثائق والامن الخارجي، بعدما كان قد فصل منه بأمر الجنرال الراحل قايد صالح صيف السنة الماضية.

وتبقى ثالثة الأثافي تتمثل في قيام نظام الجنرلات بإحداث تعديل في نص الدستور، المرتقب المصادقة عليه في شهر يوليوز القادم، بما يتيح له التدخل ونشر قواتهم خارج الحدود وفي أي منطقة من العالم، وهو تعديل ليس بالهيّن او العادي في بلد يحكمه العسكر، ولا يمكن ادراك مغزاه الحقيقي الا من خلال ربطه بتحولات واهداف ومهام استراتيجية طارئة يفترض في التدخل العسكري المباشر تيسير انجازها.

هذه الاعتبارات مجتمعة ، تدفع المتتبع للشأنين الجزائري والليبي، في ظل الاوضاع المتفجرة بالمنطقة، الى التساؤل المشروع عما اذا كان نظام الجنرالات، وهو يتباكى على اوضاع الشعب الليبي وعلى المخاطر المحدقة بالدولة الليبية، واذ يتحرق شوقا للوساطة بين الليبيين، انما يعد العدة للعب دور وكيل استعماري في اقليم الفزان الليبي بكل ما يعنيه ذلك من تدخل عسكري وسيطرة فعلية على هذا الاقليم ؟؟

هذا الخيار وحده هو الكفيل بتمكين نظام الجنرالات من تحقيق جملة أهداف، باتت معروفة تقريبا، منها على المستوى الداخلي.. الوصول الى منابع النفط والغاز في الاقليم الليبي المجاور، وضرب الحراك الشعبي لتفادي امكانية الاطاحة به من طرف الشعب الجزائري؛ وعلى المستوى الخارجي انقاذ التدخل العسكري لشريكيهم الفرنسي والاماراتي في ليبيا من الانهيار والهزيمة، كما هو حاصل الان..  ولربما تصور الجنرالات أن الامور في ليبيا ستؤول الى سيطرة وكيل تركي على اقليم طرابلس، ووكيل مصري على اقليم برقة، بعدما تؤول اليهم الوكالة على اقليم الفزان، لذلك اعلن تبون ترحيبه بالتعاون مع مصر من أجل احلال السلام في ليبيا.. ؟؟