مغارب نيوز جريدة إلكترونية مغربية تجدد على مدار الساعة - المغرب - - magharebnews - est une source centrale d'informations et de nouvelles sur le Maroc.

سيكولوجية الغاضبين من دعم صندوق جائحة كورونا

مغارب نيوز/ الدكتور يوسف الزدكي *

ألغى ميشيل فوكو الوجود الإنساني معلنا عن موت الإنسان وانتصار النسق أو البنية، أو النظام المتحكم والضابط لتلك البنية أو النسق، استجابة لصيحات العدمية التي نادت بها الفلسفة المعاصرة خصوصا مع نيتشه ورتشارد روتي وشبنغلر الذين كرسوا جميعهم فكرة الموت والعدمية التي ينظر إليها هيديجر باعتبارها ” العملية التي بها في نهاية المطاف لم يعد ثمة شيء فيما يتصل بالوجود”

وفي وقتنا الحالي، تعيش الإنسانية أحلك فترات وجودها، بفعل اكتساح فيروس كوفيد 19 لدول وشعوب المعمور، فتحول الموت من مقولة مجردة مع فلاسفة القرنين التاسع عشر والقرن العشرين إلى حقيقة ملموسة، ومن مجرد فكرة تراود مخيلة الفيلسوف إلى كابوس مرعب يمشي على قدميه ويتجول بحرية وتسيُّب في شوارع المدن والقرى وعلى قارعة الطرق والممرات، وداخل البيوت والمصانع والمحلات التجارية، يتوغل في صمت داخل سراديب المستشفيات والمصحات، ولكن هذا الموت الصامت تحول في ظرف وجيز إلى صيحات مسموعة، فالكائن المغربي وإن أماتته الأنساق والبنيات المتحكمة، فما يزال في داخله بقايا مقاومة، لأن مناعته النفسية مكنته من تحدي الموت، ومن الجهر بصوت غاضب وبنفس قوية وبقلب جامد لكي يطالب بالحد الأدنى من العيش والكرامة.

يحاول صاحب هذا المقال استقراء سيكولوجية فئة غاضبة من جراء عدم استفادتها من إعانات الدولة، فهي لم تتوصل بدعم من صندوق الطوارئ الذي أحدثه الملك محمد السادس تخفيفا على الأسر الهشة المعرضة للجوع والعوز والحاجة بسبب جائحة كورونا.
يؤطر تفسيرنا لاستجابات المواطنين المقصيين من صندوق الدعم المخصص لضحايا الحجر الصحي الذي أحدث في المغرب منذ 16 مارس 2020 بسؤال إشكالي مفاده: ما هي التفسيرات الاجتماعية والنفسية للغضب عند الفئات المحرومة من صندوق كورونا انطلاقا من المقاربة السيكولوجية للغضب ؟

يقول الشريف الجرجاني: ” الغضب لغة أخذ الشيء ظلما مالا كان أو غيره واصطلاحا يعني تغير يحصل عند غليان دم القلب ليحصل عنه التشفي للصدر ، أما منشأ الغضب فهو بحسب أرسطو من أفعال ارتكبت ضدنا، لكنه يُداوَى بالزمن، وهدفه الألم، لذا فالغضب يكون مصحوبا بألم، والأشياء التي تحدث الألم محسوسة بينما تلك التي هي سيئة جدا مثل الظلم أو الحمق فلا تكاد تدرك
إن ما حدث للمقصيين من دعم صندوق كورونا قد ولد شعورا مريرا بالإحباط والعدمية، ودفعهم إلى بلورة سخطهم الداخلي وإخراجه في شكل جمل وتعبيرات سوداء وفي شكل حركات وإشارات وإيماءات عفوية غير متحكم فيها، وقد وجدوا في وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة تعبيرية سانحة لإفراغ تلك المشاعر المتدفقة المصحوبة بألم الحرمان، وهذا الألم ولَّد حالة هياج داخلي انكشفت جليا في نبرات صوتهم وفي نظراتهم القلقة، وتجسد في أفعال الكلام التي صاحبت خطاباتهم وتبدى في تعبيرات الوجه وإشارات اليد ونظرات العينين، أفعال الكلام هذه نلامسها في بنية القول الذي ينسجون على ألسنتهم الساخنة على البث المباشر لقنوات إلكترونية وأمام ملايين المتتبعين من أنحاء العالم،

وتتجلى أفعال الكلام التي تحدث عنها علم التداولية في التهديد والوعيد والاستنكار، وتبرئة الذمة مما لحق أسرة المتحدث الغاضب من غبن وضرر لم يقتصر على شقه المادي المتمثل في مبلغ التعويض الذي يتراوح ما بين 800 درهم و 1200 درهم، بل طال الشق المعنوي والنفسي فتراوح بين الشكوى والاستعطاف من خلال وصف الحالة الاجتماعية الراهنة، والاحتجاج العلني الناتج عن ضرر فعلي لحقها.

ما يحدث في تلك التغريدات الإعلامية الغاضبة لتلك الفئة يعتبره علماء النفس مقاومة، وتعني من منظور روندا بايرن محاولة تغيير الصور الخارجية بعد أن تكون قد بُثَّتْ، إنه سعي لا جدوى منه وبالتالي عليه أن يتجه إلى داخل الذات، ويثبت إشارة جديدة بأفكاره ومشاعره لصنع صور جديدة لاحظتُ أن مقاومة الحرمان من الدعم المالي لصندوق كورونا عن طريق الغضب والانفعال ضاعف من سيطرة شعور الحرمان عند هذه الفئة المتضررة، وعمق وعيها بمرارته، وكما يقول كارل يونج: ” كلما قاومتَ شيئا زادتْ سَطوَتُهُ عليكَ”

اختلف علماء النفس الاجتماعي أمثال وليام لامبرت وولاس لامبرت وإيرفير سبينسر في تفسير الأفعال والسلوكيات الصادرة عن الأشخاص، فمنهم من يبحث عن تفسير لأفعاله ومواقفه انطلاقا من شخصيته، ومنهم من يبحث عن تفسيرها في الموقف الاجتماعي المباشر الذي يضغط عليه، لكن في حالة هذه الصيحات الإعلامية الغاضبة على الويب، فيمكن تفسيرها بحسب طبيعة الشخصية الغاضبة، والشحنات الضاغطة، وبحسب فداحة الموقف الاجتماعي الذي يهدد أسرا بالجوع، والجوع يؤدي إلى الموت.

إن غالبية الغاضبين واقعون تحت ضغط الفاقة والجوع، بعد أن ضاقت بهم السبل، وسدت في وجوههم كل الأبواب، وتنكر لهم الأهل والأقارب والجيران، ووجدوا أنفسهم محرومين من حق من حقوق المواطنة، وازدادت حرقتهم وهم يشهدون توصل من عرفوا بتعويضاتهم واستفادوا في مناسبتين، وظلوا الاستثناءَ المحيِّر، وظل السؤال الحارق يقض مضجعهم: ” لماذا لم يُقبَلْ طلبي مع أنني توصلت برسالة نصية تقول لي: ” تَمَّ التوصُّلُ بِطَلبكَ” ؟ ” وتمر الأيام والأسابيع، تتضاعف حرقة الانتظار، ويصاب المرسل للطلب بصدمة نفسية، لم يتوصل بأي رد أو جواب.

ومن ثم، فالغاضبون من حرمانهم من دعم صندوق كورونا ليسوا بطبيعتهم عدوانيين، أو متسلطين، أو متشبعين بنزعة العنف، بل هم غضبوا وصدحوا بأصواتهم عاليا في سماء الإعلام الجديد لأنهم لم يتم الإنصات إليهم، ولم تتواصل لجنة اليقظة معهم بتبرير الرفض أو بقبول الطلب، فالغضب أو التمرد هو رد فعل عفوي عن حالة اجتماعية عصيبة عانت منها شريحة اجتماعية متضررة من تبعات الجائحة.

لا ينبغي إذن النظر إلى خطابات هذه العينة الغاضبة نظرة تعسفية ضيقة باعتبارها مصدر تشويش إعلامي، بل من اللازم النظر إلى مطالبها باتزان وتعقل وصبر وأناة، وهي المواصفات المطلوب توفرها في أعضاء لجنة اليقظة التي أقدمت على فتح بوابة لتلقي الشكاوى من الفئات المتضررة، وعالجت 800 ألف طلب، وتم رفض 400 ألف منها، و 800 ألف المتبقية لا تزال في طور
المعالجة، مرت أسابيع على إحداث بوابة الشكاوى، ولم تخمد فورة الغضب بعد.

*باحث أكاديمي وعضو الاتحاد العام لذكاترة المغرب  

*إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي “مغارب نيوز” و إنما تعبر عن رأي صاحبها حصرا.