مغارب نيوز جريدة إلكترونية مغربية تجدد على مدار الساعة - المغرب - - magharebnews - est une source centrale d'informations et de nouvelles sur le Maroc.

العولمة و السمعة ما بعد اختبار الجائحة (فتح الله ولعلو)

إن حسن تدبير فترات الاختبارات و المحن و الأزمات كان دوما مصدر السمعة الطيبة دوليا للكيانات الوطنية. إذ أن هذه الأخيرة توظفها في التأقلم مع التحولات التي تتولد عن هذه الفترات الحرجة و تساعدها على المساهمة في كتابة المستقبل.
هكذا تمكنت الأقطار انطلاقا من اكتسابها سمعة طيبة في اللحظات الحرجة للعلاقات الدولية و لتطور العولمة، من ترسيخ اشعاعها عالميا و اقليميا و التأثير على تطور الإنسانية، فسمعة البلاد في الفترات الحرجة تعكس مدى فعالية و جودة حكامتها الداخلية; وهي في ذات الوقت عامل فاعل في العلاقات الدولية للبلاد و أداة لتفاوضها مع العولمة من خلال التحول بل التشظي الذي تعرفه.
لاشك أن جائحة كفيد 19 تنتمي الى فترات حرجة وهي اختبار بالنسبة لكل الأقطار. لقد اندلعت في نهاية العقد الثاني للقرن الواحد والعشرين والعولمة في أوجها، وعكست في ذات الوقت مدى هشاشة هذه الأخيرة كما أنها جاءت بعد الصدمة الجيوسياسية ل 11 شتنبر 2001 و الأزمة المالية و الاقتصادية لسنة 2008، و جسمت واقع اللايقين المهيمن عالميا و كذا قوة غير المتوقع الذي يطبع حياة البشرية حاليا. هكذا فرضت هذه الأزمة على السلطات العمومية إعطاء الأولوية لوقاية حياة الناس و فرض عزل صحي لما يزيد عن اربع مليارات من سكان العالم. بعد ذلك بدأت الحكومات تضع برامج للحماية الاجتماعية و لإعادة الحياة للنشاط الاقتصادي. تعبأت الدول في معركة على الواجهتين الصحية و الاقتصادية. لاشك أن الهلع الكبير الذي اخترق كل البلدان مهما اختلفت مستويات نموها و نمط تدبيرها السياسي و الاقتصادي يدل على أن الأزمة الصحية و الاقتصادية الحالية تمثل منعرجا في تاريخ البشرية فكما سبق القول ما بعد كفيد 19 سيكون مختلفا عما قبله. كما كان الحال بعد فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية سنة 1945 التي دشنت ميلاد عالم جديد. ففي كلتا الحالتين عرف العالم تسريعا في مسارات الأوضاع التي سبقت بزوغها في مرحلة سابقة. يتعلق الأمر في الحالة الأولى بمخلفات الحرب العالمية الأولى، وفي الحالة الثانية بخصائص الأوضاع عند بداية القرن الواحد و العشرين. لكن إذا كانت ظرفية ما بعد الحرب العالمية الثانية قد مكنت كبار المنتصرين (الولايات المتحدة و الاتحاد السوفياتي) من تأطير الحكامة جيوسياسيا (الأمم المتحدة وما تفرع عنها من منظمات مختصة) ومكنت الولايات المتحدة، كقوة اقتصادية أولى بالتعاون مع أوروبا الغربية، من تأطير الحكامة الجيواقتصادية (صندوق النقد الدولي، البنك العالمي، المنظمة العالمية للتجارة)، فإن عالم ما بعد 2020 يتسم بكثير من اللايقين السائد منذ بداية القرن بل منذ نهاية الحرب الباردة و تآكل الاتحاد السوفياتي. و المعروف أن العالم قد عاش طوال الثمانينات و التسعينات تحت لواء هيمنة مطلقة للولايات المتحدة و منظومة احادية القطبية اقتصاديا و جيوسياسيا. لكن صعود الصين و تفاقم التطاحن التجاري و بعده الصحي بينها و بين الولايات المتحدة ، يؤدي اليوم الى انبثاق تباري متميز و جديد في إطار ثنائية قطبية نوعية ستطبع النصف الأول من القرن الواحد و العشرين.
موقع السمعة في العلاقات الدولية
إن مناعة السمعة المكتسبة من طرف الولايات المتحدة و الاتحاد السوفياتي خلال الحرب العالمية الثانية هي التي سمحت لهما بوضع أسس تدبير العالم خلال النصف الثاني من القرن العشرين. بعد ذلك تزعزع تأثيرهما و اشعاعهما بفعل أحداث جيوسياسية و اقتصادية مؤثرة : تجلى ذلك بالنسبة للإتحاد السوفياتي في المنازعة الهنغارية سنة 1956 وبعدها التشكوسلفاكية سنة 1968، ثم تأثير الخلاف الصيني السوفياتي في الستينات، وفشل التدخل السوفياتي في أفغانستان في الثمانينات و قصور المنظومة الاقتصادية السوفياتية كل ذلك أدى الى انهيار المجموعة السوفياتية في بداية التسعينات. كما اتضح ذلك بالنسبة للولايات المتحدة بعد انهزامها في حرب الفيتنام في بداية السبعينات و آثار الصدمتين النفطيتين (1973 و 1979) و كذا القرارات النقدية التي اضطر لاتخادها الرئيس نيكسون سنة 1971 … ثم بعد ذلك رجة 11 شتنبر 2001 الى أزمة 2008 و اندلاع الحرب التجارية مع الصين.
في هذا المسار جاءت الأزمة الصحية و الاقتصادية 2020 ففرضت اختبارا على العالم كله مع انتقال مركزها المحوري من الصين الى اوروبا ثم روسيا و الولايات المتحدة و أمريكا الجنوبية. وهكذا تجلت المفارقة في أنماط تدبير الأزمة الصحية و نتائجها اجتماعيا واقتصاديا. واتضح مدى نجاح بعض البلدان في ذلك، الشيء الذي جعل منها مرجعا في التدبير الجيد و الفعال.
لا شك أن السمعة الطيبة التي اكتسبتها هذه البلدان ستعطيها مزيدا من المصداقية داخل منطقتها و كذا في مساهمتها لبناء منظومة متعددة الأطراف و متجددة تستند الى نوع من السكينة. و لقد دخلت الآن الولايات المتحدة و الصين و أوروبا في سباق محموم من أجل اكتشاف اللقاحات و الأدوية المضادة للفيروس، و الذي أصبح في ذات الوقت موضوع تبار حول اكتساب السمعة في هذا المجال.
كما أن مواقف الرئيس الأمريكي ترامب و الرئيس البرازيلي بلسونارو وابتعادهما عن المنظمة العالمية للصحة التي اعتبراها متواطئة مع الصين، ساهمت في معاكسة منظومة تعدد الأطراف التي زعزعت في السنوات الأخيرة بخروج الولايات المتحدة من اليونسكو ومن اتفاقية باريز حول التدهور البيئي وكذا تأكيدها وتبنيها للمقاربة الاستيطانية لاسرائيل ضدا على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني و على المشروعية الدولية.
سيتأثر العالم بعد محنة كفيد 19 بنتائج تنفيذ مشاريع الإنقاذ الاقتصادي التي أقرتها كل دول العالم و زكتها مجموعة العشرين من أجل تحجيم الجائحة الصحية و مخلفاتها اجتماعيا (البطالة، تدهور أوضاع المعوزين والقطاعات الغير مهيكلة) و اقتصاديا (مساندة القطاعات الموبوءة عبر الامدادات المقدمة للمقاولات الكبيرة و الصغيرة و تمكينها من قروض ميسرة الخ) لقد قيمت دراسة مجموعة ماكينزي برامج لإنقاذ هذه بأكثر من 10 بليون دولار أي ما يتجاوز ثلاث مرات مخصصات برامج الانطلاق بعد أزمة 2008 (أوروبا الغربية وحدها خصصت 4000 مليار دولار لذلك وهو ما يقابل حسب هذه الدراسة 30 مرة من اعتمادات برنامج مارشال) إضافة الى ضخ مبالغ ضخمة من الكتلة النقدية من طرف البنوك المركزية بهدف إعادة تمويل السندات العمومية.
إن استخلاص الدروس من محدودية تدبير أزمة 2008 يفرض اليوم التخلي عن المقاربة الكمية التي رافقت برامج إعادة الانطلاقة وذلك بالانتصار لمقاربة نوعية تستند الى توجيه الإنفاق العمومي لخدمة ثلاثة أهداف :
– تشجيع الاقتصاد الأخضر لترتبط الانطلاقة الجديدة بسياسة تحارب الاستهلاك المفرط للطاقات الأحفورية .
– ترسيخ موقع الرقمنة في التدبير الاقتصادي مع الانخراط في الذكاء الاصطناعي و ربط ذلك بتكوين الموارد البشرية.
– التكيف مع كل الانكسارات التي أفرزتها الأزمة لسلاسل التزود و الإنتاج. وهذا ما سيدفع البلدان الى إعطاء الأولوية للمنتوجات الوطنية والعمل على تقليص التبعية إزاء الخارج و تأمين البلدان لتستجيب للحاجيات الأساسية في مجال الصحة و الغداء و التكوين.
الإشكاليات السبع المطروحة
إن الانكسارات التي فرضتها أزمة كفيد 19 ستؤدي الى اهتزازات و تحولات في المدى القصير و المتوسط و البعيد و ستطرح على عولمة الغد تحضير أجوبة للتعامل مع عدة قضايا نلخصها في النقط التالية :
1 – إشكالية تمويل مخططات الإنقاذ الصحي و الاقتصادي و قضية المديونية
لقد اضطرت الحكومات الى الاستدانة المفرطة من أجل تمويل برامج الانقاد الصحي و الاقتصادي. ففي البلدان المتقدمة و الصاعدة نلاحظ أن البنوك المركزية أقدمت على “تنقيد” القسم الأكبر من هذه الديون عن طريق شراء السندات الحكومية. و تمكنت بلدان الاتحاد الأوروبي من ابتكار مقاربة توافقية و تعاضدية لتدبير الديون العمومية . لذا أصبح ضروريا تنظيم مشاورات دولية بإشراف من مجموعة العشرين و إشراك صندوق النقد الدولي و البنك العالمي من أجل مساندة البلدان الفقيرة و النامية في تدبير استدانتها التي فرضتها أزمة كفيد 19. إن التدخل التضامني لكل مكونات المجموعة الأممية من أجل إيجاد حل لهذه المديونية ذات الطابع الاستثنائي، سيعطي لمنظومة تعددية الأطراف مصداقية في المجال الاقتصادي و المالي. غداة أزمة 2008 تنبأ المفكر الفرنسي جاك أطالي بأننا “سنختنق جميعا بالمديونية بعد عشر سنوات” و طالب بوضع “هندسة دولية لتدبير المديونية”.
2 – نتائج صعود القارة الأسيوية
من الواضح أن أزمة 2020 ستساهم في ترسيخ موقع الفضاء الأسيوي داخل عولمة الغد
وكذا في تأكيد ثنائية قطبية جديدة متمثلة في الولايات المتحدة و الصين. إن المواجهة التجارية بين الطرفين منذ 2017 تصاعدت بفعل الجدل القائم بينهما فيما يخص الملف الصحي المرتبط بتطور الجائحة.
ولقد اصبحت السمعة دوليا مصدر التناحر بين القوتين فيما يخص العديد من الملفات المطروحة في هذا الظرف الاستثنائي (طريقة تدبير الكارثة الصحية و التي أضيف لها قضية العنصرية التي فرضت نفسها بعد مقتل جورج فلويد بالولايات المتحدة) لا شك أن الولايات المتحدة لازالت قادرة على احتلال موقعها الاقتصادي الريادي و أكثر من ذلك موقعها الإستراتيجي. لكن الصين تسعى الى توظيف مبادرتها حول “الحزام و الطريق” لتعزز حضورها الاقتصادي بآسيا ثم إفريقيا و أوروبا. وكل المؤشرات تدل على أن التباري الكبير بين الطرفين سينصب مستقبلا على التحكم في التكنولوجيا الجديدة في مجال الرقمنة و الذكاء الاصطناعي كما تدل على ذلك المعركة القائمة حول G5.
3 – الثورة التكنولوجية الجديدة
منذ بداية القرن اصبحت الرقمنة و الذكاء الاصطناعي محور ثورة التكنولوجيا الجديدة من خلال الأدوار التي تقوم بها اليوم مجموعات GAFAM الأمريكية و BATX الصينية و التي ستساهم في (روبوتيك) الإنتاج الغذائي و الصناعي و الخدماتي. وجاءت أزمة كفيد 19 لتعطي دفعة جديدة لاستعمال كل أدوات هذه الثورات عبر التقدم الحاصل في مجال العمل عن بعد و تنظيم مختلف الملتقيات عبر شبكات التواصل (المحاضرات، الاجتماعات الدولية، الأنشطة التعليمية و الفنية و الإعلامية …إلخ). هكذا سيكون على إصلاح منظومات التعليم و التكوين أن تأخذ بعين الاعتبار التقدم الحاصل في مجال الرقمنة و الذكاء الإصطناعي اللذان اصبحا أدوات أساسية في كل الأنشطة و خاصة في المجال الاقتصادي وترحيل المعطيات و علاقة الإنسان بالزمان و المكان .
4 – المكانة الجديدة لمجال القرب و الأقلمة .
منذ الخمسينات ساهم تقدم العولمة في انبثاق تجمعات اقليمية متضامنة انطلاقا من الفضاء الأوروبي الى منطقة الشمال الأمريكية و الى مختلف مكونات القارة الأسيوية . هكذا تمحورت الاتحادات و التجمعات الإقليمية حول المبادلات التجارية و السياسات المجموعاتية و التداخلات الصناعية. لكن منطق العولمة نجح في توسيع مجال تحرير المبادلات و معه تشييد سلاسل القيم العالمية عبر القارات، وفي تحفيز ترحيل الصناعات التي استقطبتها أساسا البلدان الأسيوية. و اليوم نرى أزمة كفيد 19 من خلال مكونيها الصحي و الاقتصادي تؤدي الى انكسار هذه السلاسل للقيم العالمية منذ بداية انطلاقها وعبر بعض محطاتها. ففضحت بذلك حدة تبعية الاقتصاديات القطرية للمجالات البعيدة.
هكذا طرحت قضية استعادة تموقع بعض الأنشطة الصناعية (الأدوية، السيارات، الكمامات) في الولايات المتحدة و أوروبا و اليابان، وهو توجه لا يمكن إلا أن يكون لصالح مجالات القرب و الأقلمة. كما أن استعادة التموقع تساهم في تقليص طول المسافات وفي النقص من تكلفة النقل، كما تساهم بالتالي في تقليص الاستهلاك الطاقي الأحفوري بما في ذلك من انعكاسا ت إيجابية على البيئة.
في هذا المجال سيكون من مصلحة أوروبا أن تنظم ملف استعادة التموقع بتشارك مع الفضاءات القريبة منها جنوبا أي البحر الأبيض المتوسط و إفريقيا. إن أوروبا تحتاج اليوم استعادة الأقلمة كما قال فيدرين، وزير الخارجية الفرنسي الاسبق، وليس لمجرد استعادة التموقع.
5 – نحو تعددية قطبية وتجديد منظومة تعددية الأطراف
لقد ساهمت الحرب العالمية الثانية في ميلاد عالم استند الى ثنائية قطبية تتمثل في هيمنة الغرب بريادة الولايات المتحدة اقتصاديا و سياسيا من جانب، وهيمنة منظومة تدبير ممركز بقيادة الاتحاد السوفياتي من جانب ثان. لكن زوال هذا الأخير و عياء اقتصاديات الشمال الرأسمالية بجانب صعود الصين كثاني قوة اقتصادية عالميا غيرت المعادلة القائمة. وجاءت أزمة 2008 لتفرز تأسيس مجموعة العشرين التي تنتمي إليها البلدان الصاعدة حيث أصبحت تحل مكان مجموعة السبع في تدبير المعيقات الكبيرة للإقتصاد العالمي. هكذا بدأ العالم يخطو نحو منظومة متعددة الأقطاب. وتأتي اليوم أزمة كفيد 19 لتدفع بتحفيز ظاهرة الأقلمة. هكذا يترسخ التقارب بين الأقطار الأسيوية ; ويسعى الاتحاد الأوروبي الى إعطاء دفعة جديدة لاندماجه رغم عامل انسحاب بريطانيا العظمى (بريكسيت). وإذا كانت أزمة 2008 مصدر تغذية و تشجيع للتيارات الشعبوية و كذا لتراجع مقاربة تعددية الأطراف، فإن أزمة 2020 سيكون لها، رغم مواقف الرئيس الأمريكي ترامب، تأثير ايجابي لصالح التعاون الدولي في مجال الحماية الصحية و الاهتمام بالبيئة. لقد أصبح من مصلحة أوروبا كما سبق القول تطوير مسار اندماجها الاقتصادي و السياسي و الاستراتيجي و أن تسعى بشراكة مع القارة الإفريقية لبناء قطب جديد قادر على مخاطبة أمريكا الشمالية و الفضاء الأسيوي. إن ذلك سيساهم بلا شك في انخراط العولمة ضمن مسار جديد يتسم بالمزيد من التقاسم و التوازن.
6- تدبير الخيرات المشتركة
لقد فرضت أزمة كفيد 19 الى السياسات العمومية تجاوز الدغمائيات الماكرو اقتصادية. هكذا تخلت مخططات الإنقاذ الصحي و الاقتصادي عن احترام ضوابط الموازنات التقليدية و المتعلقة بالعجز المالي (3% من الناتج الداخلي الإجمالي) و معدل المديونية العمومية (60%) وإعادة الاعتبار الى “كنزية” جديدة بعد اختفائها بفعل صعود النيوليبرالية في الثمانينات. كما أن مستلزمات محاربة الأزمة الصحية و مواجهة الانكماش الاقتصادي الجديد دفعت البنوك المركزية في البلدان المتقدمة للتخلي عن تدخلاتها الكلاسيكية، فعملت على مساندة الخطط الهادفة الى إعادة الحياة للاقتصاديات القطرية. الأهم من ذلك أن هذا الرجوع الى التوجه الكنزي سيأخذ طابعا نوعيا لأنه سيترجم بالعناية الجديدة التي أصبحت الدول تخص بها تدبير الخيرات المشتركة وهي المتعلقة بمجال الصحة و التكافؤ الاجتماعي و التعليم و البيئة. هكذا انبثقت عن اختبار جائحة الفيروس فرصة جديدة في شكل منعرج سيساهم في تطوير السياسات العمومية نحو مزيد من الاهتمام بوقاية الصحة و دعم الاصلاحات التعليمية والانفتاح على قضايا البيئة و التكافؤ الاجتماعي. وقد أصبحت كل هذه القطاعات و الاهتمامات تنتمي الى نفس المعركة.
إن ذلك سيفرض على الاقتصاد السياسي الانفتاح على بعض المفاهيم و تجاوز سطوة المدى القصير و البحث المستمر عن الانتاجية وحدها و كذا الربح مهما كانت كلفة ذلك. فالاقتصاد السياسي الذي يستند على الفعالية مطالب كذلك باحترام مستلزمات الوقاية الصحية و”تكاليف الانسان” François Perroux وحماية البيئة.
7- قضية اللاتكافؤ
كل المؤشرات تدل على أن المسارات السريعة للعولمة منذ الثمانينات، بدعم من التوجهات النيولبرالية ، قد أدى الى توسيع الفوارق و اللاتكافؤ بين البلدان (شمال-جنوب) و داخل الأقطار. وجاءت أزمة 2008 لتبرز انطلاقا من أصولها التمويلية مدى تأثير التفاوتات الاجتماعية على مستوى المداخيل وعلى مستوى الموارد داخل المجتمعات، لقد أصبح واضحا أن البحث عن مزيد من الجدوى و الفعالية لا يتناقض مع البحث عن مزيد من التكافؤ.
و اليوم سمحت الأزمة الصحية ببروز مناحي جديدة للاتكافؤ داخل المجتمعات، حيث أن جل ضحايا الجائحة ينتمون الى الطبقات المهمشة و الفقيرة. ففي الولايات المتحدة حيث يوجد أكبر عدد من الوفيات، تبين الإحصائيات أن أكثر من ثلثها ينتمون الى السكان السود الذين لايمثلون سوى 13% من ساكنة البلاد. كما أن القلق الذي تولد عن الحجر الصحي في الولايات المتحدة توسع بشكل لافت بعد الاحتجاجات العارمة ضد العنصرية العرقية و التي تعبر عن أحد أشكال اللاتكافؤ. هكذا جاء الاختناق المروع للمواطن الأمريكي الأسود جورج فلويد (Georges Floyd) في نهاية مايو 2020 من طرف شرطي أبيض ليعطي دفعة لموجة معولمة للاحتجاج ضد العنصرية و دعم حركة ” حياة السود تهمنا” (Black Lives Matter) كان لها صدى داخل مجتمعات البلدان المتقدمة في الشمال. هكذا تساءل البعض هل ستحدث قطيعة ما قبل و ما بعد كفيد 19، وفي نفس الوقت ما قبل و ما بعد قتل جورج فلويد. هذا ما نتمناه.
إن تلاقي أصداء هذه الصدمات في هذه الحقبة الاستثنائية و التاريخية من حياة البشرية يدخل هذه المعارك في بوثقة موحدة من أجل الصحة و التكافؤ و البيئة وبنفس المنطق يدعو الى تجديد نمط التنمية من أجل عالم يتسم بنوع من التقاسم و التوازن.
المغرب و كفيد19 و توظيف السمعة
إن أزمة كفيد 19 تعتبر اختبارا مؤكدا. و ككل اختبار تفرز فرصة من الواجب أن يكون المغرب على موعد معها. لاشك أن بلادنا كانت في مقدمة البلدان النامية خاصة في البداية ، التي أحسنت تدبير هذه الأزمة حيث انخرط المغاربة في انضباط موحد مؤكدين ثقتهم في الدور الحمائي للدولة. لقد حان الوقت الآن لتوظيف هذه السمعة المكتسبة من أجل التفاوض الناجح مع المنعرج الذي سيتشكل عالميا بعد كفيد 19. كما ان تحضير نمودج جديد للتنمية من شأنه أن يساعد البلاد على الاستفادة من الكثيرمن دروس الأزمة الصحية و مخلفاتها الاقتصادية. ففي هذا الإطار سيكون على الاستراتيجية التي ستنخرط فيها البلاد أن تبحث على مزيد من الفعالية كما هو الحال في كل مناطق العالم و ربطها بسياسة تضامنية في خدمة الحاجيات الأساسية من صحة و تكوين وسكن. كما أن توظيف السمعة الطيبة يقضي بالنجاح في التفاوض مع مسلسل تحولات العولمة عبر ثلاث منافد :
أولا : مساهمة المغرب في خلق قطب اقليمي جديد يجمع أوروبا و إفريقيا حول مركزية البحر الأبيض المتوسط. حيث يكون الهدف هو تشييد محور عمودي إفريقي متوسطي اوروبي قادر على تحسين جاذبية المنطقة في إطار استعادة تموقع أو أقلمة الأنشطة الاقتصادية. ورغم المعيقات التي تعرفها المنطقة لن يدير المغرب ظهره للمشروع المغاربي الضروري اليوم لصالح القارتين الإفريقية و الأوروبية وبينهما البحر الأبيض المتوسط. يجب أن يفضي هذا التوجه الى تجديد الشراكة مع الاتحاد الأوروبي في إطار تجاوز الأفق الضيق لمقاربة التبادل الحر مقابل الإعانات المالية لتحل مكانها مقاربة الإنتاج المشترك و التنمية المشتركة. وهذا يقضي بأن تربط أوروبا هذه الشراكة بتدبير جدلي لثنائية التنمية و الهجرة. هكذا يمكن توظيف المكتسبات التكنلوجية الأوروبية و كذا المكتسبات الديمغرافية و الثقافية الإفريقية للمساهمة في انبثاق عولمة متعددة الأطراف تستند على قيم التوازن و التقاسم.
وسيكون على بلادنا أن تكثف من حضورها الفعلي في إفريقيا وأن تساهم في تطويرها خاصة في مجال الغذاء (توظيف الفسفاط المغربي) و الكهربة وتنويع الأنسجة الانتاجية. في هذا الاتجاه تندرج المبادرة الملكية المغربية الهادفة الى ربط تدبير الأزمة الصحية بخلق أدواة التضامن مع بلدان إفريقيا جنوب الصحراء في إطار مقاربة جنوب-جنوب.
ثانيا : الانفتاح و التفاوض مع الفضاءات البعيدة أي مع الأمريكيتين، الشمالية لوصفها القوة الاقتصادية الأولى، و الجنوبية ضمن مثلث استراتيجي إفريقي أوروبي جنوب أمريكي، وفي ذات الوقت مع القارة الأسيوية بكل مكوناتها و التي ستصبح القاطرة الأكثر دينامية انطلاقا من الصين التي تقترح علينا و على العالم مبادرة “الطريق و الحزام”.
ثالثا : إن التحكم في علاقات القرب و علاقات البعد هو الذي سيمكن بلادنا بأن تنخرط بنجاح في الثورة التكنولوجية الجديدة عبر تطوير و إصلاح المنظومة التعليمية والصحية خاصة أن أزمة الكفيد 19 أعطت كما سبق القول دفعة قوية لهذه الثورة خاصة في مجال الرقمنة.