مغارب نيوز جريدة إلكترونية مغربية تجدد على مدار الساعة - المغرب - - magharebnews - est une source centrale d'informations et de nouvelles sur le Maroc.

يوميات العطلة الصيفية: مغرب المفارقات – 1

17

- الإعلانات -

 

   الزاهيد مصطفى*
الأسبوع الأول:
في محطة القطار بالبيضاء اشتريت كل الجرائد الوطنية والأسبوعية التي هجرتها منذ سنوات، اللهم بعض القراءة للعناوين في المقهى على مضض، اشتريتها لتزجية الوقت فقط، طالعتها خلال الظهيرة، لاجديد ولاشيء تغير، بل ازدادت حدة السخافة في الصحافة-هناك استثناءات بخصوص بعض الملفات التربوية أو الثقافية التي لازال بعض الصحافيين يشرفون عليها- القضايا الحقيقية يتم تعميمها وسط ركام من الأخبار اليومية التافهة لشغل الرأي العام باليومي، وتصوير الأمور وكأنها أحداث عادية تقع بفعل عدم نضج المجتمع، أو استهتار مسؤول شاذ، أو تقصير من طرف آخر في مسؤولياته. لا أحد يشير للنظام العام للأشياء الممؤسس لها خارجيا أو داخليا في سيكولجة كل فرد منا بفعل التماهي مع النسق.
أخبار النهب للمال العام تملأ الصفحات، يوميا حتى صار القراء في المقاهي ينظرون إليها كحالات عارضة وليست نسقا عاما ترسخ بفعل إقصاء المجتمع من حقه في السياسة والسياسي.
أطالع افتتاحية لعبد الحميد الجماهيري يولّد فيها المعنى من الغبار، ويحاول أن يستنطق بكل أدوات التحليل التي يبدعها الصحافي  اليوم لتبرير الوضع الذي وصلنا إليه معيدا كيل المدح للتناوب التوافقي بقيادة اليوسفي،  ومذكرا بمحورية الملكية في التغيير الديمقراطي وقيادتها لهذا التغيير ، لماذا يصير التاريخ عبئا على صناعه وحالميه، هو الزمن اللعبة الوحيدة التي لا يمكن لأحد أن يقاومها، إنها تكشف زيف الجميع، حتى المعادن  النفيسة والخسيسة، فما بالك بالبشر متقلبي المزاج. المبادئ معايير متعالية كلما صار  الشخص واقعيا صار أكثر وضاعة وخسة هذا هو الدرس الوحيد بنظري، شعرت بالملل والتعب من التفكير، هرولت مسرعا لموجة قادمة اعترضتها مثل فيل  واستمتعت بالماء،  لكن الألم لازال مستمرا،  عليك أن تفكر لتعيش وأن تأكل لتحيى، كم هم كثيرون هؤلاء الأحياء وقليلون أولئك الذين لديهم شغف العيش؟
مع سائق طاكسي، مررنا من جانب أحياء تبدو مكتظة جدا، وسحنات أصحابها تظهر أنهم مغاربة حقيقيون، سألت صاحب الطاكسي عن الأمر، عن سبب هذه التناقضات، فيلات هنا وفي الخلف كارينات، كان هائجا، قال لي: ماذا تريد؟ ، هناك مافيات منظمة في جميع القطاعات، أضاف بالحرف ” هذي دولة ومؤسسات بلعاني خذها مني نصيحة” ، السؤال الذي ظل في ذهني من سائق الطاكسي وصولا إلى ماسح أحذية،  الجميع يفهم اللعبة لكن من يضمن استمراريتها ؟ هناك شيء ليس على ما يرام، شعور الناس بالأشياء لايعني وعيهم بها، ربما هذا ما يمنع وقوع حدث يغير قواعد اللعبة .
في سوق تجاري ، دخلته فقط للتجول  وشراء علب طام، لأن أصحاب المحلات كانت مغلقة ،   داخل هذا المركب التجاري امرأة تضرب ابنتها بشكل عنيف و تصرخ : لا تحرجينني ، “جينا ندورو ماشي نشريو ، باش غادي نشري ليك”، الفتاة الصغيرة تلاحظ في مكان الألعاب التي يبلغ ثمنها بين 200 درهم و 2000 درهم ، بعض الأطفال ” البويض جدا هه .. هه” يشترون فلم تحرم هي من هذا الحق؟
لحسن الحظ أنني أعرف اللعبة وأن ألعاب السوق الأسبوعي والجوطية وغراج علال أفضل وأجمل. المشكلة ليست في الألعاب بل في غياب الرقابة على الأثمنة الباهظة، هناك ألعاب تجدها في سوق الجملة في درب عمر مثلا ب 300 درهم  بينما سعرها في ياتو أو مرجان يصل إلى 1000 درهم ويكتبون على اليسار PROMOTION -50% أضحك وأمر،أين جمعية حماية المستهلكين.ههههه
الأهم هو ما طرح في ذهني:  نحن هنا في قلب مركب تجاري يروج لكل العلامات التجارية المعروفة ، وخلف المركب يوجد  الكاريان  وأمامه حي نيس، وأحياء أخرى، الذي استغربت زوجتي منه هو  غياب الحركة فيه، والسبب هو أن الأغلبية لا تتحرك على أقدامها، فكل أنواع السيارات الفاخرة توجد هنا من الرانج إلى الجاغوار والفيراري، مدينة بهذا الحجم من التناقضات المجالية لابد أن تنفجر يوما، إنه قانون فيزيائي، تنافر العناصر  لايمكنه إلا أن يولد نوعا من الطاقة النشيطة في العمق التي ستؤدي إلى انفجار كبير يوما ما، لا أحد يفكر هنا في هذا الميز  العنصري الليّن، فهناك جدران كبيرة بين الأحياء وبين الطبقات، والأسواق والناس،  ربما تجسدها أسوار الفيلات وربما غلاء العقار و الأثمنة الباهظة لبعض المحلات “6 تاع لبتيبانات  قيمتها 6 دراهم تباع في مرجان المحمدية ب 32 درهما، لا أحد يحتج،  السوق وزبائنه المعتادون لايشكل لهم الثمن مشكلة، لكن الأمر لايتعلق بالقدرة على الدفع بل بالمعيار، بالقانون…….. إنه عزل منهجي قائم بطرق خفية وظاهرة، إنه نفس ما وقع في جنوب إفريقيا من طرف الإنجليز وفي أمريكا في حق السود، لكن في المغرب يقع الأمر دون أن تراه الأغلبية الساحقة، لأن أساطير عديدة تغذي وهما تاريخيا باسم الإجماع والاستثناء والمؤمنون إخوة والمغاربة يد واحدة… أساطير لا يقبلها غير السذج والمرضى، ليس المشكل في أن تكون هناك فئات غنية  لأن الأمر مرتبط بالتوزيع في العالم،  الإشكال في هذه الفوارق والتناقضات الصارخة التي لايمكن تبريرها في بلد لايحقق نسبة نمو تصل إلى 3.5 في المئة بشكل قار، ومديونية تصل إلى رهن 87% من الناتج الوطني لسادة العالم، وتجد فيه ثروة ريعية ممركزة في يد طبقة واحدة، هذا لا يمكن إلا أن يكون وضعا شبيها بالتيتانيك المشي بسلام تام نحو الحائط كما يقول صديقي منير الحجوجي. نحو الكارثة.
يوم آخر :
ما يسترعي الانتباه، ربما هوالحرمان وسوء التوزيع المجالي والنهب العام الذي يمكن أن يكون السبب الأول في جميع الأمراض الاجتماعية، التحرش، التعصب الديني، السلفية، العداء الشديد لجسد المرأة، الإهتمام بالشريعة على حساب الأخلاق، كلها تجد عمقها في الحرمان وتجربة الذل والاحتقار التي ينتجها النظام من خلال جعل احتكار كل الخيرات في البلد في يد أقلية صغيرة جدا، لاحظت أنه في  حي نيس  ومونيكا، كل الذي يخرجون من هذه الفيلات يلبسون ألبسة قصيرة جدا لكن الأمر لا يثير انتباه أو حقد الأغلبية التي تجلس بالعشرات في الصباح الباكر لتناول الفطور في مقهى “لابرجواز”، يركنون سياراتهم،  من يبقي نفسه في هذا الحي يمكنه أن يقر بأن المغرب بلد حداثي، وأن الاختلاف متجذر هنا، وأن التشدد الديني مجرد نشاز وحالة معزولة، تلاوة للقرآن في أغلب المحلات، هنا تبدو مقولة أن البؤساء أكثر تدينا معقولة ومعبرة عن الواقع، هذا لا يعني أن الطبقات الاجتماعية الأخرى أكثر حداثة بل هي أكثر انفتاحا على قيم السوق والاستهلاك، إنها تعيش استيلابا من نوع آخر، وفهما من نوع آخر للحياة، تعتبر أن الحياة المعاصرة تتطلب هذا النوع من التسام على التدخل في شؤون الآخرين وفي أجسادهم ومعتقداتهم، لكنها في الحقيقة لاتؤمن بذلك عن فهم تاريخي أو سياسي أو ثقافي بل فقط لأنها نفسيا تجد نفسها في حاجة لهذا النوع من القيم للحفاظ على مصالحها وأسلوبها ونمطها في الحياة، بل حتى في قلب هذه الأحياء الراقية تجد المتشدد  والمتعصب الديني للباس وأسلوب الحياة المبني على الاختلاف الجنسي والمؤمن بأن المساواة في الإرث تجاوز لحدود الله،  لكن حين يتعلق الأمر بالمال فالقانون واحد “هز الشاقور والمقدة ودخل للسوق، وفي الجمعة والعيد لبس الجلابة البزيوية ولا الجبادول وقول على مولانا الحنين”.
            يوم آخر: لاتوجد ذات يمكن العودة إليها والتفكير فيها، العالم للأسف يقيم داخلنا، الأمر مختلف من الناحية الوجدانية، لايمكن للفينومينولوجيا أن تسعفنا هنا، فالعالم لايتجلى باعتباره  موضوعا خالصا بل هو في العمق وعي بهذا الموضوع بشكل تأويلي متأن في الزمان والمكان، لكنه ليس تأويلا ثابتا، بل هو  تأويل خاضع لصيرورة شعورنا المتغير باستمرار ولعواطفنا المتضاربة،  هذا الشعور بالعالم لايمكن التخلص منه، يحتاج الأمر منك ليس إلى اللامبالاة، لقد اكتشفت أن اللامبالاة نوع من الشعارات الزائفة، لقد ارتكب صاحب كتاب فن اللامبالاة جريمة في حق الفكرة الأبيقورية القديمة، وهي جرائم متعددة ترتكب اليوم في حق الفكر وفي حق كل شيء من أجل الربح، كيف يمكن لمن لا يلهم نفسه أن يكون ملهما؟  شعار: لا تهتم سوى بما يمتعك وابتعد عن ما يؤلمك زائف ومخادع، الأمر مختلف، ليست اللامبالاة هي التي تجعل الناس لا يهتمون بالعمومي، وبقضاياه، إنه مرض خاص يمكن أن نسميه  الأنانية العاطفية، إن عدم الاكتراث هو في حد ذاته مبالاة شديدة تجاه الأشياء، لكن الفرد يمارس نوعا من القمع على ذاته، اتركهم، لست المخلّص، لاتهتم،  كلها تصويغات سيئة وتبريرات ذاتية، الأمر لا يحتاج أن تكون حيوانا، حتى هذه الفكرة التي اعتقدت أنها الدافع للمبالاة تخلصت منها، فالحيوان أيضا يهتم بمحيطه، يكفي أن تتابع سلسلة علمية حول السلوك الحيواني في البراري، البشر وحدهم يمكنهم أن لا يكونوا مهتمين، حين يوجهون نظرهم فقط نحو أنفسهم ويستغرقون فيها، ربما العذاب الحقيقي هو أن تهتم فقط بنفسك، حاولت مرارا، ووجدت الأمر مستحيلا، إن الشرط الإنساني هو في العمق همّ وانهماك بهذا العالم.لاشيء يمكنه أن يكون أكثر قسوة على الحياة من كراهية ذاتك، يتحقق ذلك حين تكره الآخرين، وعشق الذات يبدأ من خلال حبك للآخرين أيضا.
شاهدت فيلم Professor Marston and the Wonder Women  حول السيكولوجي الشهير بهارفارد مارتون وعشيقته وزوجته، ساهم مرتون في اختراع جهاز لكشف الكذب، ركز اهتمامه حول فهم العواطف التي تجعل الناس يقبلون بالخضوع والهيمنة والسيطرة  في الحب بكامل إرادتهم، فهم “مرتون ” بذكاء أن السيطرة السياسية مختلفة عن السيطرة العاطفية، لا يوجد في الحب سلب للحرية، لأن الأمر لا يتعلق مطلقا بخصوم، ولا بمجال سياسي متنازع حوله أو حق متعاقد عليه يؤطره القانون، الأمر نسبي، هذا الأمر توصلت إله منذ سنتين ، للأسف لم أعرف “مرتون ” حينها ولا أحد غيره، هو نوع من التوارد للخواطر ، قد توصل كونية العقل وقواعده لنفس النتيجة كلما فكرنا بشكل منظم.  كلما كانت العواطف نسبية كلما كانت أكثر نبلا، هناك توتر حاذ في الفيلم بين زوجة مرتون وعشيقته، اكتشفت زوجة مرتون أن زوجها يحب طالبته وهي تحبه، ثار غضبها وهجرته ثم عادت، الحب يجعل الناس يقبلون أمورا متناقضة أحيانا، هكذا يصور المخرج، جهاز كشف الكذب الذي اخترعوه  طبقوه على  أنفسهم فكان الأمر غريبا، اليزابيت زوجة مرتون تعشق إليف بيرن وإليف بيرن تعشق مرتون وتعشق زوجته أيضا، يتعاقد الجميع على أن تصبح إليف بيرن  عشيقتهما في الفيراش ينام معها ميرتون والزابيت في نوع من “التسامح” الحاد، ينجبون الأبناء وتقع مشكلات، حيث يظهر المخرج الطابع المحافظ للمجتمع الإنجليزي إبان الأربيعينيات ، سيحرم مرتون من وظيفته وإليزابيت من لقب الدكتوراه، سيؤدي تطور المجتمع الإنجليزي إلى القبول بهذه العلاقة التي اعتبرت في الأربيعينيات شاذة، سيموت مرتون حسب رواية الفيلم في الأخير وتقضي بيرن أيامها الأخيرة مع اليزابيت،  الجميل في الفيلم هو تناوله لهذا الجانب الخاص من تطور القيم في الغرب نفسه، لاشيء يبقى ثابتا ما يرفضه الناس في عصر بدافع الحماقات يقبلونه في عصر آخر بدافع العقل والضرورة والتسامح، المشكلة هي أن العديد من الناس يدفعون الثمن حين تكون بعض القيم مفروضة على الناس بدافع الحقيقة، ما أحوجنا لسينما مثل هذه تخضع قيمنا للتشريح والنقاش، ثقافتنا الدينية تثقل فقط الأذن بينما العين لدينا لازالت مظلمة.
* أستاذ الفلسفة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.